تأسيس نادي الجيش الملكي: رؤية واستراتيجية ملكية للرياضة الوطنية

تأسيس نادي الجيش الملكي: رؤية ملكية استراتيجية و مشروع دولة

تأسس فريق الجيش الملكي لكرة القدم في فاتح شتنبر 1958. إن هذا التاريخ يحمل دلالة استراتيجية عميقة في سياق المغرب المستقل حديثاً، حيث يأتي التأسيس بعد أقل من عامين ونصف على استقلال المملكة، في فترة كانت الدولة المغربية في طور بناء مؤسساتها وتأكيد سيادتها الوطنية في كافة المجالات، بما في ذلك المجال الرياضي الحيوي. وكما ورد في الفقرة الأساسية من ظهير التأسيس، بدأ العمل على الإعداد للفريق قبل بداية منافسات كأس العالم 1958، مما يؤكد أن الحاجة لتكوين قوة كروية كانت ملحة ومناسبة تماماً لتلك اللحظة التاريخية.

الرؤية القيادية ودور ولي العهد مولاي الحسن

لم يكن تأسيس النادي مبادرة رياضية عادية، بل كان مشروعاً ملكياً استراتيجياً بقيادة مباشرة من ولي العهد آنذاك، الأمير مولاي الحسن (الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله)، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية. وكان الهدف الإستراتيجي المعلن يتمثل في خلق فريق مغربي نخبوي، يكون منتخباً عسكرياً يمثل المؤسسة العسكرية، وفي الوقت نفسه يشكل قاعدة صلبة ورافداً أساسياً للمنتخب الوطني المغربي.

كان الدافع الوطني الأبرز هو معالجة التواضع الكبير الذي أظهره أداء المنتخب المغربي في السنوات الأولى للاستقلال، ورغبة الملك في رفع المستوى الكروي الوطني بسرعة لضمان التمثيل المشرف على الساحة الدولية. وعليه، تم تصميم النادي لخدمة هدفين متزامنين: أولهما هدف رياضي/عسكري من خلال توفير منبر رياضي عالي المستوى لمنتسبي القوات المسلحة، وثانيهما هدف وطني/كروي عن طريق ضخ دماء جديدة وموهوبة في شرايين المنتخب الوطني.

منهجية البناء والاحترافية العسكرية

اعتمدت عملية بناء الفريق على منهجية صارمة وعسكرية قائمة على الكفاءة والانتقاء الدقيق للموارد البشرية، وهو ما ميزه عن الأندية المغربية الأخرى. تم تفعيل آلية التنقيب الاستراتيجي عن اللاعبين الموهوبين في جميع أنحاء المملكة، مع التركيز على اللاعبين الذين كانوا يمارسون أو سبق لهم ممارسة كرة القدم في أندية أخرى، ثم انخرطوا في صفوف القوات المسلحة الملكية المغربية. هذا الدمج الممنهج ضمن للنادي منذ البداية الكفاءة الرياضية العالية والالتزام العسكري المنضبط.

كما أن هذه الفكرة لم تكن مبتكرة مغربياً فحسب، بل كانت محاكاة للنماذج الناجحة للفرق العسكرية الاحترافية التي هيمنت على الرياضة في دول أخرى، لا سيما في أوروبا الشرقية وآسيا (مثل “سيسكا” في موسكو أو فرق الجيش في الصين)، التي كانت تعتمد على المؤسسة العسكرية لتجميع المواهب.

لم يكن الجيش الملكي مجرد نادٍ، بل كان رهاناً ملكياً شخصياً وبرنامج دولة لاستنهاض كرة القدم الوطنية وتحقيق إنجازات سريعة، مما مهد له الطريق للانطلاقة المذهلة التي ستحققها في المواسم التالية.

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

TOP